أحمد بن علي القلقشندي

60

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

ومما يحكى في ذلك : أن قيصر ملك الرّوم أهدى إلى كسرى ملك الفرس عقابا ، وكتب إليه : إنها تعمل أكثر من عمل الصّقور ؛ فأمر بها كسرى فأرسلت على ظبي فاقتنصته ، فأعجبه ما رأى منها فانصرف وجوّعها ليصيد بها فوثبت على صبيّ له فقتله ؛ فقال كسرى : إن قيصر قد جعل بيننا وبينه دما ثائرا بغير جيش ، ثم إن كسرى أهدى إلى قيصر نمرا وكتب إليه : أن قد بعثت إليك فهدا يقتل الظباء وأمثالها من الوحش ، وكتم ما صنعت العقاب ، فأعجب قيصر حسن النمر ووافق صفته ما وصف من الفهد ، وغفل عنه فافترس بعض فتيانه فقال : صادنا كسرى . ومن شأنها : أنها لا تطلب شيئا من الوحش الذي تصيده ؛ وهي لا تقرب إنسانا أبدا خوفا من أن يطلب صيدها ، ولا تزال مرقبة ( 1 ) على مرقب عال ؛ فإذا رأت بعض سباع الطير قد صاد شيئا انقضّت عليه ، فإذا أبصرها هرب وترك الصيد لها ؛ فإن جاعت لم يمتنع عليها الذئب في صيدها ، وربما اغتالت البزاة فقتلتها . ومن خصائصها : أنها أشدّ إخفاء لفراخها من سائر الطير . قال غطريف بن قدامة الغساني صاحب صيد هشام بن عبد الملك : وأوّل من لعب بالعقاب أهل المغرب ؛ فلما عرفوا أسرارها نفّذوها إلى ملك الروم فاستدعى جميع حكمائه فقال لهم : انظروا في قوّة هذا الطير وعظم سلاحه ، كيف تجب تربيته ، وتعرّفوا أسراره في صيده وتعليمه ، وكيف ينبغي أن يكون ؟ فأجابوا جميعا : بأن هذا الطائر دون سائر أجناسه كالأسد في سائر الوحوش ، وكما أن الأسد ملك كذلك هذا ملك بين سائر سباع الطير . وعند العداوة والغضب كلّ الأجناس عنده من سائر الحيوان على اختلاف أنواعه واحد لقوّة غضبه وشدّة بأسه ، فهو لا يستعظم الآدميّ ولا غيره من الحيوان . الضرب الثاني - « الزّمّج » - بضم الزاي وفتح الميم المشدّدة ثم جيم - والعامّة تبدل الزاي جيما والجيم زايا ، وهو طائر معروف تصيد به الملوك الوحش ،

--> ( 1 ) لعلها : « مرتقبة » .